الأحد، ٢٢ يوليو ٢٠٠٧

الغريب 6

لم يرزقها الله بأخ لابنتها، لكنها دوما ما أحبت محمود بشكل لا يوصف، ودت لو تجبره على البقاء بجانبها طول الوقت لولا علمها بحبه للسفر، تكره فراقه بشدة.
ماما استيقظي، لم نمت هنا؟ ألم أقل لك ألف مرة ألا تنامي في هذا الوضع المتعب؟
هكذا كان محمود يلوم حماته عندما استيقظ من نومه وخرج ليتوضأ فوجدها نائمة من فرط التعب في كرسيها المتحرك، أخذها برفق حتى أوصلها غرفتها وساعدها لتنام في مكانها، أشارت له قبل أن تنام ليقترب منها، اقترب منها في حنان بالغ فطبعت على جبينه قبلة، وتمتمت له بدعوات خافتة ثم تمنت له يوما سعيدا، أشار لها بيده أن تهدأ وتكمل نومها وأغلق باب الغرفة خلفه خارجا برفق.
انتهى من ترتيب هندامه ووضع تلك الكوفية الرائعة التي كانت هدية زوجته يوما ما على رقبته، وخرج من الشقة وأغلق الباب خلفه جيدا، لا يدري لم دوما يحس بذلك الشعور الرائع وتلك الشفافية العالية كلما نزل ليصلي الفجر، صحيح أنها أقرب له الى العادة من كثرة ما يحرص عليها لكنه في كل مرة يحس بذلك الشعور من جديد وكأنها أول مرة، ظل يتمشى في عتمة الفجر حتى وصل المسجد المجاور الذي لا يبعد أكثر من أربعمائة متر من عمارته، خلع حذائه في هدوء ودخل ليضعه في مكانه وهم أن يصلي عندما سمع صوت الشيخ محمد امام المسجد يقول له من؟ محمود؟ متى جئت يا ولدي؟
هرول محمود عند سماع صوت شيخه المفضل وأحب الرجال لقلبه كي يبادله الأحضان، كان يحس بالأمان الشديد في وجوده، يلتمس منه النصيحة دوما، ولكن شيخه كان لا ينصحه الا بشيء واحد وبشكل ملح، تزوج مرة أخرى يا محمود، هكذا كان يقول له كلما رآه، انتظر أن يقولها له هذه المرة أيضا لكن الشيخ فطن لمسحة الحزن تلك في عيني محمود، فقال له: لنجلس قليلا سوية بعد الصلاة يا ولدي فلي معك حديث مطول، أومأ محمود برأسه ايجابا وعاد لمكانه ليتم الصلاة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - السلام عليكم ورحمة الله، انتهى محمود من الصلاة خلف الامام، بدأ في الاستغفار عندما وجد الإمام يقوم مسرعا من مكانه على غير عادته ويشير له أن يتبعه، دخلا مكتب الشيخ سويا ثم أغلق الباب خلفه، وبادره بالسؤال: كيف كانت رحلتك هذه المرة؟ ما سر ذلك الحزن في عينيك؟
أدرك محمود أنه لن يستطيع كتمان الأمر أكثر من ذلك، لا يدري أيحدث أمه العزيزة في الأمر أم يخص الشيخ به، كلاهما يمثلان شيئا عظيما بالنسبة له ويكره أن يخفي عنهما شيئا، لكنه مل من الشكوى لهما، وماذا سيفعلان له وفي كل مرة يفشل كل شيء بسبب تردده، ظل صامتا شارد الذهن ينظر للشيخ في حزن، تجمدت الكلمات في حلقه.
ناوله الشيخ كوبا من الماء قائلا: إن لم ترد أن تتكلم الآن فلا بأس يا ولدي، لكن على الأقل طمني أنك بخير؟
هز محمود رأسه ثم خرجت من فمه تلك الجملة: كل شيء على ما يرام والحمدلله، لكني تعب الآن يا شيخ وأريد أن أنام، أستأذنك في الانصراف، أجابه الشيخ موافقا أن اذهب وسأراك في صلاة العشاء بعد أن تعود من مرسمك، هز محمود رأسه موافقا ومضى في حال سبيله.
استيقظت مي على صوت بكاء هستيري من سمية، كانت تجلس بجوارها وهي تمسك بورقة مرسوم عليها بعض رسوم الأطفال، كانت ورقة رسمها لها محمود وطلب منها أن تحتفظ بها، كم هو رقيق قلب تلك الطفلة، تمتمت مي في نفسها تقول حتى أنت يا سمية تفتقدينه، لا أعرف كيف أتصرف الآن، هل كان يجب علي أن أكون أنا صاحبة المبادرة؟ أعلم أنه يحبني، لا لست متأكدة، لكن نظراته..... لا أعلم لها تفسيرا، كنت أحس أننا نتحدث نفس اللغة ونفوسنا تغني نفس اللحن، انتبهت مي أنها مرة من المرات القليلة التي تبكي سمية فيها بصوت واضح مسموع، لا تعرف هل تفرح لأنها بادرة خير رغم أن كل ما حولها يشير بالكآبة والحزن؟؟ احتضنتها بقوة مهدئة اياها وهي تتمتم سنراه قريبا يا صغيرتي، أعدك بهذا
لم تكن أكثر جدية من ذلك اليوم في أي يوم آخر
أرجوك يا طفلتي يا صغيرتي كلي، ما بها يا مي؟ لماذا ترفض الطعام؟
كانت جدة الطفلة تحاول اطعامها لكن سمية كانت لا تستجيب، كانت تمسك الورقة المرسومة بقوة في يدها مركزة نظرها فيها بشدة، لا يعرف سر تلك الورقة غير مي وسمية وحدهما، سألها والدها عن تلك الورقة فأجابته مي بأنها ورقة التقطتها من كتاب التلوين في الطائرة، لا تعلم لمن تلجأ الآن وكيف تشتكي ولمن تبوح بمكنون صدرها من المشاعر الجياشة، كانت ردودها كلها مقتضبة بشدة وتخفي أكثر ما تفصح.
أنهت مي افطارها على عجل لكي تذهب لغرفتها من جديد بينما حاولت سمية أن ترسم شيئا على كتاب التلوين الذي أحضرته من الطائرة، كانت سمية تستعيض عن حاجتها للكلام مع الناس بالرسم، وكم هي معبرة في رسومها رغم أنها لا تمتلك موهبة خاصة في الرسم، لكنها دوما كانت صادقة.
دخلت مي غرفتها و بعد أن انتهت من صلاتها بدأت في تصفح الانترنت، لم تفتح بريدها الالتكروني منذ يومين ولابد أنه امتلأ عن آخره، فعلا وجدت العديد من الرسائل التي لم تفتح بعد، بدأت في تصفحها واحدة بعد الأخرى ممسكة بقلم وورقة في يدها لتخط بعض الأرقام المهمة وبعض الكلمات القليلة، ظلت كذلك لساعة كاملة، غلبها بعدها النعاس من ارهاق السفر فقررت أن ترتاح قليلا، تمددت على سريرها وبدأت تفكر في محمود من جديد، لم يفارق خيالها منذ البارحة، حتى أنه جاءها في ذلك الحلم الجميل، لم تحلم بحلم بهذا الجمال منذ أن كانت طفلة صغيرة بعمر ابنتها سمية، تركت نفسها للنوم علها تنسى وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة
عاد محمود الى شقته وهو يفكر كثيرا، لا يدري هل يذهب الى مرسمه اليوم أم يتابع أعمال شركته الصغيرة التي يديرها من المنزل؟ هل يأخذ فترة للراحة لا يعمل فيها؟ لم يعتد أبدا على أخذ عطلات، كان العمل كل حياته، لكنه في نفس الوقت لا يستطيع أن يبدع ولا أن يستمتع بحياته وذهنه مشغول، قرر أن يخلد للنوم قليلا وأن يعطي نفسه أجازة من العمل لأول مرة في حياته، دخل غرفته وأغلق الباب على نفسه، خلع ملابسه واستبدلها بملابس النوم وتمدد على سريره متعبا شارد الذهن، لا يدري ماذا يقول لأمه أو ماذا يقول لشيخ المسجد، لم يعتد أن يخفي عنهما شيئا وفي نفس الوقت فضحته عيناه تماما، لم يخف عليه نظرات الشيخ له عندما رآه أول مرة بعد العودة من السفر، تقلب على جانبه الأيمن وهم بالنوم عندما رن جرس الهاتف بجواره، كان ذلك الهاتف الصباحي المعتاد من هند، تلميذته في المرسم، التي كانت تطمئن عليه بعد العودة من السفر وتسأله ان كان سيأتي للمرسم اليوم فستكون بانتظاره، أجابها بأنه سيرتاح اليوم من العمل وهي حرة في أن تأتي أو لا، تعجبت في نفسها من قراره لأنها المرة الأولى التي يجلس فيها في البيت، سألته هل أنت بخير؟ أجابها نعم لا تقلقي فقط تعب من السفر، وبصوت مازح قال: لم أعد شابا كقبل، وكم كان صادقا في هذا.

هناك ١١ تعليقًا:

إنـســانـة يقول...

:)

wonderful as usual

Dr.SEA يقول...

..........
We r waiting for the next part :)

يعقــــوب .... يقول...

مش هتنجز يعني

صحيح هى الطفلة ده عندها كام سنة؟

nora يقول...

رهيب عن جد رهيب القصة رائعة وانا بستنى في يقتها على نار
الله يحميك

yasmina يقول...

رائع كالعادة

الاطفال يشعرون بمن يحبهم اكثر من الكبار حتى لذلك تجدهم يتعلقون به ويودون قربه دائما

تصوير جميل لمشاعر الطفلة

دعواتي لك
سلام

عاشقة الوطن يقول...

السلام عليكم

ديه اول زيارة ليا فى مدونتك وان شاء الله مش هتكون الاخيرة
انا أخدت نظرة سريعة على المدونة وقرأت معظم البوستات
وقرأت اغريب كلها
ال6 بوستات
اصلها جميلة اووووى

بس هو فعلا ممكن يكون لاقي اللى ممكن يرتبط بيها من اول مرة
وهى كمان ممكن ترتبط بواحد شافته مرة

هو ممكن زى مابيقولوا الحب من اول نظرة
بس هو ده حقيقي

كمل باقي القصة

جميييييل بجد

تحياااتى يا THE GROOM

Noony يقول...

جابت اليقين دة من فين؟
حبه بعض من غير ما يعرفوا حاجة عن بعض كدة؟
ينفع يعني؟

احتمال برضه
الله أعلم

:)
نوني

emos يقول...

grooooooooooooooom
ana bgad ma3andeesh time eny 2a2ra kol el kalam dah
kol marra 2a2ool el post elly ba3doh hayekteb 7abba so3'ayara
el post elly gay ba2a hayekteb gomleteen

mayenfa3sh keda ra3y zerofy shewaya
narfeztenyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy

Jody85 يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المدونة جميله جدا جدا وقصة الغريب روعه أسلوب الكتابة خلانى عايشه القصة كمل إحنا مستنيين

صاحب البوابــة يقول...

ارجو منك عزيزي أن تدعمنا في حملة ( افضحوا تجار الكيف )

التفاصيل ستجدها في مدونتي

تحياتي

The Groom يقول...


انسانة

واندرفول؟ فوول؟ اه ياني :P

شكرا لك وتحياتي لك من ماناساس البلد

-----------

د. سيي

انت فين يابني من زمان

شكرا لمتابعتك عموما وجزاك الله خيرا

تحياتي لك من ماناساس البلد

------------

يعقوب

انت عايزني انجز ليه؟ القصة حلوة للدرجة دي؟ :p

ربنا يكرمك يا رب

تحياتي لك من ماناساس البلد
------------

نورا

الله يخليكي يا رب بس مين رهيب ده؟ :p

امين يا رب ويوفقك ويحميكي

تحياتي لك من ماناساس البلد

------------

ياسمينا

كلامك صحيح

شكرا لك

تحياتي لك من ماناساس البلد

------------

عاشقة الوطن

ربنا يوفقك ويكرمك وأهلا بك في مدونتي وان شاء الله تكون الزيارات الجاية كتير وتلاقي حاجات احسن

ممكن صحيح مين عارف

تحياتي لك من ماناساس البلد

-------------

نوني

جابت اليقين منين؟ سألت قلبها

ينفع ونص
وتلات ارباع

تحياتي لك من ماناساس البلد

-------------

ايموس

اديني نزلت جزء قصير يا ام نفس قصير

ربنا يعينك ويعينا عليكي

تحياتي لك من ماناساس البلد

--------------

جودي

اهلا بك في مدونتي وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

ربنا يكرمك ويوفقك

شكرا لك

تحياتي لك من ماناساس البلد

------------

صاحب البوابة

انا مليش في الحملات ولا التجمعات

اعذرني وربنا يوفقك ويعينك

تحياتي لك من ماناساس البلد