الجمعة، 14 سبتمبر 2007

نور 3

انصرف بندق من المكان تاركا محمود وحده يفكر في مصيره وكيف سيطعم جيرانه من الفئران في تلك الغرفة الموحشة، كان محمود يعلم جيدا أن عليه أن ينام مبكرا تلك الليلة كي ينهض ليصلي الفجر في الجامع ويدعو الله بقلب صاف، يحافظ على الصلاة دوما لكنه لم يزر المسجد منذ زمن طويل جدا، وكان شيخ المسجد يلومه على هذا بشدة فهو يحبه، لكن محمود كان يشعر بفتور نفسي عجيب لم يزل سوى بتلك الصدمة العنيفة نتيجة فقدان بيته رمز أمانه واطمئنانه، أنزل محمود حقيبته من السرير وفتحها ليخرج البيجامة الوحيدة التي يمتلكها وارتداها في عجل بينما ألقى قميصه وبنطاله باهمال على ذلك الكرسي الخشبي العتيق، وأخرج منشفته الكبيرة من نفس الحقيبة ليفرشها بهدوء فوق القميص، ثم حمل رأس ذلك التمثال برفق ليضعها في منتصف تلك الطاولة، يا ترى حسميك ايه دلوقتي؟ أنا حسميك السلطان حسن، طيب حسن مين؟ معرفشي أهو حسن والسلام، انت حترد عليا من دلوقتي ولا ايه؟
اتجه محمود بعدها لينظر من تلك النافذة المعتمة، اكتشف فجأة أنه يمكنه أن يفتحها ليرى الشارع الخلفي المجاور للقهوة مباشرة، كان شارعا قذرا تتجمع فيه قاذورات كثيرة ولا تطأه أقدام الكثير من الناس، لكن كل أهل الحارة كانوا يعرفون ذلك الشارع جيدا فهو الوكر المفضل لكثير من اللصوص وتجار الصنف، لم يجد في نفسه جرأة ليبقي تلك النافذة مفتوحة أكثر من اللازم، فسارع باغلاقها تماما وباحكام متمتما في سره: أنا اللي جبته لنفسي، لو كنت احترمت نفسي ودفعت الايجار؟ يللا قدر الله وما شاء فعل، محدش بيرتاح في حياته، بس صحيح الواد بندق ده فعلا راجل، وملوش ذنب ان الغرفة في مكان وحش كده، ربنا يحميك ويخليك ليا يا بندق يا رب
ارتمى محمود بعدها على ذلك السرير الخشبي المتهالك، زكمت أنفه رائحة المرتبة التي ينام عليها وأزعجته لكنه واصل محاولة النوم في اصرار عجيب، بدأ في أحلامه المعهودة لكنه لم يستطع أن يكملها لأنه ببساطة غط في نوم عميق، لقد كان يوما مرهقا حقا
صدح ذلك الصوت الشجي من ذلك المذياع المعلق فوق البورصة بأذان الفجر، كان الصوت عاليا لدرجة أن محمود قام فزعا فهو لم يتعود على ذلك الصوت العالي، استغفر ربه وبدأ في الوضوء استعدادا للصلاة، أبدل ثيابه بسرعة ولكنه اكتشف المفاجأة
لقد نسي أن يأخذ مفتاح الغرفة من بندق بالأمس، اذن لن يستطيع أن يخرج منها ويتركها مفتوحة، لا فائدة حتى في أول يوم يقوم فيه من النوم مبكرا كي يصلي الفجر يحدث هذا، تذكر كلمة الشيخ وهو يحذره بأن كل شيء في هذه الدنيا له حكمة، علينا فقط أن نمتثل بدون الكثير من الضجيج، ابتسم في هدوء لتذكره تلك الكلمات وشرع في فرد سجادة الصلاة التي يحملها في حقيبته دائما، ثم بدأ في صلاة السنة وأتبعها بصلاة الفجر، كان يشعر بهدوء نفسي عجيب في تلك الليلة، ولأول مرة ينام نوما عميقا مريحا لا يزعجه تفكير في الايجار أو في المستقبل، لقد فوض أمره الى الله فهو حسبه وهاهو يجني ثمار ذلك
انتهى محمود من صلاته وبدأ التسبيح وختامها، ثم غالبه قليل من النعاس فاستلقى على سريره ليغط في نوم عميق مجددا، اصحا يا فنان، يا عم انت اصحا الدنيا مش حتستناك، كان ذلك صوت بندق العالي وهو يوقظ محمود، لطالما كان نومه ثقيلا لدرجة أنه يمكن أن تعزف فرقة كاملة بجواره وهو نائم فلا يهتز له جفن، فتح محمود عينيه ولم يدرك الأمر برمته لوهلة ثم سرعان ما قفز من السرير قبل أن تسقط قطرات المياه الباردة تلك على وجهه، كان بندق مستعدا لعمل أي شيء لايقاظه في تلك اللحظة، ايه يا عم مش بتصحا بالذوق ليه؟ يللا ورانا شغل
واندفع بندق خارجا من الغرفة بسرعة قائلا لمحمود أن يتبعه، فتأكد محمود من ترتيب هندامه وسرح شعره بيده ثم غسل وجهه في عجل، وخرج بسرعة لاحقا بندق الى صالة البورصة، لم ينس طبعا أن يغلق الباب جيدا
وهنا كانت المفاجأة، لقد وجد في ركنه المحبب الذي يجلس فيه كل مرة حاملا كبيرا وبعضا من أقلام الرصاص وورق رسم أبيض كبيرا رديء الصنع، لكنه كان أكثر من مفاجأة كبيرة له، لم يتوقع أن يجهز بندق له هذا، ابتسم بندق وهو يشاهد محمود يفتح فاه مستغربا بشدة وقال: يعني الفنان يشتغل من غير أدوات ازاي؟ لازم يا فنان نجهزك ونرتبك، وفي الاخر يا سيدي لما ربنا يكرمك ابقى حاسب عم احمد صاحب المكتبة لاني انا مدفعتلوش حق الحاجة لسه، كلها شكك وانت الي حتشيل الليلة لما ربنا يفرجها
ترقرقت الدموع في عيني محمود، لم يهتم به أحد هكذا منذ زمن طويل، ولازال يعتقد أنه لن يفعل أحد سوى بندق، جلس محمود في مكانه في انتظار أول زبون، كان بندق في منتهى النشاط وهو يقوم بالدعاية لمحمود، كان كلما وصل طلبا لزبون من الزبائن عرض عليه أن يدع محمود يرسمه مقابل خمسة من الجنيهات، كان محمود بارعا جدا في انجاز الرسومات بسرعة، لا يأخذ أكثر من عشر دقائق ليرسم أي شخص وكان على الرغم من سرعته تلك دقيقا فتخرج الصورة معبرة تماما عن صاحبها، وكان بندق سعيدا وهو يرى زبائن البورصة وهي تتهافت على الجلوس أمام ذلك الفنان المبدع وهو يرسمهم، وكان محمود سعيدا بان يده الصدئة بدأت تعمل من جديد
كان صاحب القهوة سعيدا بذلك التطور الذي جلب المزيد من الزبائن لقهوته، بدأ الناس في التحدث كثيرا عن ذلك الفنان الذي ظهر فجأة وبدأ يرسم الناس بمقابل زهيد، كان يعيش بينهم منذ زمن طويل لكن أحدا أبدا لم يعرفه سوى القليل منهم بندق وفتحية وصاحب القهوة فقط، لذلك صنع شهرة سريعة، كانت حصيلة أول يوم خمسون جنيها اقتسمها مع بندق وهو في منتهى السعادة، بل انه عرض على بندق أن يأخذها كلها لكن بندق قال له حاشا لله احنا اتفقنا والاتفاق اتفاق وبيسبيس ايز بيسبيس، كان بندق بالطبع لا يعرف ماذا يقول لكنه رأى الناس في التلفاز يقولون ذلك، وكعادة أهل تلك الحارة كان الجميع مبهورا بما يشاهدون في التلفاز وكان هو مصدر ثقافتهم وامتاعهم الوحيد، حتى ان المتابع لوجوه الناس في البورصة يلحظ عليهم انتباههم الشديد لما يعرض في التلفاز مما شجع صاحبها على شراء تلفاز كبير الحجم كي يمتع زبائنه، وكان محمود منافسا قويا لذلك التلفاز منذ بدأ الناس في الالتفاف حوله

هناك 15 تعليقًا:

Té la mà Maria - Reus يقول...

All the moments are good to come to greet and to wish you to happen a very good day yourself
Your friends of Reus Catalunya Spain

.:.-=- ELGaZaLy-=-.:. يقول...

جميل ما قراتة وان كنت احتاج لاعداة قرائة الاجزاء السابقة

كل عام وانت بخير

yasmina يقول...

في تسلسل القصة اشعر ان محمود نفسه لم يكتشف شخصيته بعد
او انه بحاجة الى التركيز اكثر بما يريده وان يتوكل على الله ويضع لنفسه هدفا خاصا لكي يحققه

اما بالنسبة للقصة نفسها فإن المزج بين العامية والفصحى اضفى اليها رونقا
اما ما يعجبني هنا وبشكل عام فهو تحدث البطل الى نفسه ومناجاتها او معاتبتها فإن ذلك يجعلك تشعر به كإنسان وكحقيقة ماثلة امامك

لا اعرف ان كان تفكيري صحيحا او انك تقصد شيئا اخر

ننتظر ونرى

اللهم اجعل هذا الشهر الفضيل عليك وعلينا شهر خير وبركة

سلامي

david santos يقول...

Thanks for posting, the Groom!
Very good.
Have a good weekend

أيامنا الحلوة يقول...

والله ياجروم ما نسياك انا بدخل كل يوم عندك وعند بعض المدونين .... بس للاسف انا مش بلحق اقرأ البوستات كاملة لضيق الوقت ... ان شاء الله اكمل قراءة البوست ده واعلق تاني حبيت بس اثبت حضور ... وكل سنة وانت طيب

تحياتي

بياترتس يقول...

اسلوبك هادى جدا ومريح فى قرايته
بس طبعا مينفعش اعلق على القصه غير لما تخلص
ياللا اتجدعن
وكل سنه وانت طيب

أميرة البلطجية يقول...

عبد الله ازيك
بدعيلك بالاسم والله
الحلقة الرابعة نزلت
:)

Noony يقول...

تسلم إيدك
حاسة إني قاعدة معاهم على البورصة بتاعتهم وبتفرج عليهم

ماشاء الله عليك بجد

مستنية البقية
:)
نوني

Meekness !!! يقول...

السلام عليكم
ازيك يا عبد الله عسى ان تكون بخير
المهم احداث القصه حلوه قوي
و اسلوبك ممتع بجد
و مستنيه الباقي بقى
بالاتوفيق يا جرووم
سلام
.
زيزي

Meekness !!! يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
بسمه يقول...

السلام عليكم

جميله أوى القصه ياعبدالله وحسستنى بجو نجيب محفوظ الحاره وملامحها جواك فنان ماشاء الله

كمل إحنا منتظريين

emos يقول...

grooooooooooooooooom
ma3lesh maba2etsh bal7a2 2a2ra el posts beta3tak
ana bs geet 2a2ool ramadan kareeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeem

Sampateek يقول...

:)
الى الامام

تخاريف خاصه! يقول...

جميه اوى يا جروم...
والاجمل التفاصيل الصغييره واهتمامك بيها...
بتدى الواحد احساس بان الصورة والموقف كله قدامه...
سلمت يداك..
وفى انتظار الباقى...

جوستيـن يقول...

يا سلاااااااام