الثلاثاء، 27 نوفمبر 2007

حطام فارس

يحكى أنه عاش في قديم الزمان فارس شجاع ، نشأ وتربى تربية جيدة ، تعلم فنون الفروسية منذ نعومة أظفاره ، ونشأ ككل أطفال قريته على الشهامة والرجولة وأصبح فارسا مغوارا لا يشق له غبار ، قوي البنية ، وسيم الهيئة ، حسن الوجه ، طويل القامة ، حتى أنه صار حلم كل بنات قريته ، بل وكل القرى المجاورة ...
في نفس الوقت ، كان له أخ يصغره بثمان سنوات كاملة ، كان ضعيفا ، لا يقوى على شيء ، ولد مشلولا وصامتا ، قبيح الوجه ، قصير الشعر وبارز الأسنان ، كاد والدههما - وهو من هو في قبيلته - أن يقتله كي لا يجلب لهم العار إذا رآه أحد ، كان الجميع يحتقره ، إلا ذلك الفارس النبيل ، كان يحضر له الحليب ويرضعه يوم أن رفضت أن ترضعه أمه وكادت تلقي به في البحر لتتخلص منه ومن عاهاته ، وكان يطعمه ويسقيه كل يوم قبل أن يخلد للنوم وحينما يستقيظ في الصباح ..
كان يشعر بعاطفة غريبة تجاهه ، عاطفة تتجاوز الأخوة ، أو حتى كل المشاعر الإنسانية النبيلة ، كان يشعر أنه عليه واجب عظيم تجاه أخيه المعاق ، وكان يشعر أيضا أنه سيكون له في حياته أهمية كبيرة ...
وتمر الأيام والسنون ، ويزداد الفارس قوة على قوة ، ويصبح ذا شأن عظيم في قبيلته ، بل وتعتمد القبيلة عليه في كل حروبها مع القبائل الأخرى ليصبح هو قائدهم المحنك و ساعد والده الأيمن ، ولكنه لم ينس أخاه ، في كل مرة كان يعود منتصرا ، كان يختص من الغنائم أنفسها واحبها لقلبه لكي يهدي بها أخاه في تلك الخيمة البعيدة ، كان يضرب عليها حراسة شديدة ولا يسمح لاحد بالاقتراب منها ، ويدخل في هدوء وروية ليستأذن أخاه في الدخول عليه رغم أن أخاه المقعد المشلول لا يملك سوى همهمات يعبر بها عن الإذن بالدخول ، وابتسامة عذبة رغم وجهه القبيح تتهلل بها أساريره لأن التغيير الوحيد في حياته كل يوم قد جاءه ، كان ذلك الاخ الصغير يثير الشفقة بحق ، فدوما في مكانه لا يتحرك منه طرف ولا يتكلم ... كل ما يستطيع فعله هو بكاء صامت بدموع تخرج بصعوبة منه او ابتسامات عذبة لم يرها قط غير الفارس الشجاع ... فقد أدرك أنه لا يستحقها في هذه الدنيا سوى هذا القلب النبيل الذي احتل جسد فارس...
كان الفارس يجلس بجوار أخيه بالساعات ، وكان يدخل عليه قبل أن يدخل على والده عند عودته من كل انتصار ، ويظل بجواره يواسيه ويؤنس وحدته ، ويتاكد أن أحدا لم يضايقه أو يسخر منه ، وأن كل الخدم قد قاموا على احتياجاته على أكمل وجه ، كان هذا الأخ القعيد كل شيء في حياته ، كان يستشيره في أمور الحرب رغم أنه يعلم جيدا أنه بلا فائدة ، وكان يجد متعة كبيرة في أن يقص عليه كل أخبار الممالك والقبائل ، وكل ما صادفه في رحلاته العجيبة و أسفاره الطويلة ، كنوع من التعويض عن طول الغياب ...
كان ذلك الفارس يكتم دموعه في كل مرة رأى فيها أخاه في حالته تلك ، وقد أجمع كل حكماء قبيلتهم بل وكل من وجد في زمانهم من الأطباء أن لا شفاء له مما فيه ، وأن ليس له سوى الصبر والإحتساب ، وكان هذا يبكييه كثيرا ويعتبر أنه مسئول عن أخيه بشكل مباشر ، وعليه دين في رقبته ليوم الدين أني يعتني به ، بعد أن تخلى عنه الجميع ، حتى والداه ، لكنه رجاهما أن يعتني به في مكان خفي ، حيث تلك الخيمة القوية ، والحراس الأشداء من جيشه الخاص ، فلا يسمح لأحد بالدخول عليه ...
لطالما اعتبر ذلك الفارس أن هذا هو نصفه الآخر ، دوما ما تعجب من أن الله سبحانه وتعالى خلقهما لنفس الأم والأب ، ولكن بمصيرين مختلفين ، ينال هو كل الشهرة والمجد ، وتتمناه بنات الأرض ، بينما يقبع أخوه مشلولا في ذلك المكان البعيد ، لا يزوره من الخلق سواه والخدم ، دوما ما اعتقد أن أخاه هذا له الجنة بما صبر على كل هذا ، دوما ما كان يسأله لو كان يفضل الموت على هذه الحياة فيجيبه بدموع تعلن رفضه التام لمجرد التفكير في الأمر ، كان يقضى الساعات بجوار أخيه يتحدث له ، فلا تقابله دوما سوى ابتسامات أو دموع ، لكنه دائما كان منصتا جيدا لأخيه ، لا يتحرك فيه سوى عينيه وكان يجيد التعبير بهما عما يريد ...
كان لا يجد النظر لوجهه على بشاعته غريبا ، بل ولا يشمئز منه كسائر من رأوه ، بل بالعكس كان يجد راحة نفسية عجيبة في النظر لأخيه ، وكان هذا يسعد أخاه بلا شك ، فكلما التقت عيناهما ظهرت أجمل ابتسامات الأرض على ذلك الوجه ، الذي يراه الناس وحشا مرعبا ويراه الفارس ملاكا وديعا ..
وجاءت اللحظة التي يتمناها كل انسان في حياته ، وبلا مقدمات ، كان الفارس المغوار عائدا من إحدى رحلات صيده يحمل غزالا بريا سمينا ضخما ، وكان هذا أعظم ما اصطاد على الإطلاق منذ تعلم حرفة الصيد ، وقد ربطه على عصا كبيرة حملها اثنان من جنوده الأشداء ويسيران خلفه في زهو يريان كل أهالي القرية عظم غنيمة اليوم ، بينما ترى بعضا من الأطفال يتبعونهم بشغف وخوف وكثير من الفضول ، وترى بعضا آخرين من فتيات القبيلة يحملن قدور المياه ويثرثرن بعيون فضولية تتابع ذلك الفارس في سيره ، كان يتعمد أن يسرع الخطى لأنه يعلم جيدا عدد ما يراقبه من عيون
وفجأة توقف الفارس في سيره ليتوقف كل موكبه من حوله ، فقد لمحت عيناه تلك الشاة الشاردة والتي لم يستطع ذلك الكهل الكبير أن يلحق بها لبطء حركته وكبر سنه ، فوثب وثبة قوية من على جواده مترجلا ، وأسرع يمسك بتلك الشاة ليحضرها ويربطها إلى حيث يلهث الشيخ الكبير من التعب ، وما أن رأى الشيخ ما صنعه ذلك الفارس حتى أمسكه من ذراعه بيد بارزة العروق وساعدين كانا يوما ما مفتولين ، وقال له لن ترحل حتى نكرمك، والله لا ترحل حتى نطعمك ... ولم يجد الفارس بدا من أن يستسلم للأمر مع اشتداد تمسك الكهل به وزيادة ضغطه على ذراعه
وفي فترة وجيزة كانت تلك الشاة قد أصبحت وليمة للفارس ولجنوده ، وقد وضعت على صحن كبير حملته يد حسناء دخلت عليهم في وقار وقد غطت وجهها واقبلت تقدم لهم الطعام ، كان لا يظهر منها سوى عيناها ، ولكن هذا ليس بالشيء الهين على الإطلاق ، فتلك العيون كانت أجمل ما رآه ذلك الفارس في حياته ، أو هكذا تخيل في لحظتها ، كانت عيونا لم ير مثلها قط في جمالها ، وشدة سواد انسانها ، لم يتمالك نفسه وقام من مجلسه فحيا ذلك الشيخ وانصرف دون أن ينظر وراءه ، وقد فزع كل من حوله من الجنود فتبعوه بسرعة ودهشة كبيرة ..
بينما كان الفارس في عالم آخر ، كان يحث جواده مسرعا حتى وصل لتلك الخيمة حيث يقبع أخوه ساكنا كعادته ، لم ينتظر حتى يتوقف الجواد الذي أنهك من شدة العدو لكنه قفز من عليه وفي لحظة كان داخل الخيمة يستأذن أخاه ، علت همهمات أخوه على نحو غير عادي هذه المرة ، كأنما أدرك ما بأخيه الفارس من أمر عظيم ، فدخل الفارس بسرعة وجثا على ركبتيه بجوار أخيه ودفن رأسه في صدره ، كان الأخ المشلول لا يملك شيئا بالطبع ، لكنه أصدر همهمات قوية وأصواتا عالية تعلن فرحته ، وعلت وجهه ابتسامة عظيمة ... فنظرة واحدة لوجه الفارس كفته كي يدرك ما حل به ..

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

is it to be continued?!


so far, quite descriptive, which is your style masha Allah,

the humane relationship between the strong brother and incapable brother is underscored and described wonderfully

and it's good that the strong brother is not a tyrant, but rather merciful

Rosa يقول...

رائعه كالعاده يا عبدالله
بس انت كدا شوقتنا قوي
في انتظار البقيه