تقلب على جانبه الأيمن وهم بالنوم عندما رن جرس الهاتف بجواره، كان ذلك الهاتف الصباحي المعتاد من هند، تلميذته في المرسم، التي كانت تطمئن عليه بعد العودة من السفر وتسأله ان كان سيأتي للمرسم اليوم فستكون بانتظاره، أجابها بأنه سيرتاح اليوم من العمل وهي حرة في أن تأتي أو لا، تعجبت في نفسها من قراره لأنها المرة الأولى التي يجلس فيها في البيت، سألته هل أنت بخير؟ أجابها نعم لا تقلقي فقط تعب من السفر، وبصوت مازح قال: لم أعد شابا كقبل، وكم كان صادقا في هذا، لا أنت لا زلت شابا، فقط اترك الحزن والماضي جانبا وانظر للمستقبل بتفاؤل، هكذا أجابته بنوع من الحماس الحذر مرت بضع ثوان من الصمت فخيل لها أنه لم يسمعها، فحيته بهدوء وأغلقت الهاتف، رد تحيتها وأغلق الهاتف بدوره، ظل شاردا في سقف الغرفة للحظات ثم سرعان ما غط في نوم عميق جلست هند شاردة الذهن في غرفتها المتواضعة في ذلك الحي الفقير من أحياء القاهرة الكبرى، كانت الابنة الوحيدة لتلك الأسرة الصغيرة، يعمل أبوها حدادا يكفي مرتبه بالكاد كي يطعمها وأمها المريضة، يتكفل عملها في مرسم محمود مع بيع بعض من لوحاتها المرسومة بتدبير الحد الأدنى من نفقات حياتها الضرورية والتي لا يستطيع والدها توفيرها بأي حال من الأحوال، ظلت تفكر كثيرا في تلك المكالمة، انها أول مرة يتغيب فيها عن العمل، لابد أن هناك حدثا هاما في حياته، تكره التدخل في شئون الآخرين، لكنه ليس بأي أحد، انه محمود، صاحب الأفضال الكثيرة عليها، والوحيد الذي ملك مفاتيح قلبها رغم أنها تعترف باستحالة هذا الحب، تعلم أنه مهما كان فهو من طرف واحد، لا تعتقد أنه قد لاحظ ذلك الحب، وكان هذا يعذبها كثيرا استيقظي يا ابنتي لصلاة الظهر، كان ذلك نداء والدتها، فتحت مي عينيها قليلا ونظرت لساعة الحائط، يااااااه لقد نامت بعمق لفترة طويلة وقد قارب وقت العصر على الدخول، هبت مسرعة كي تتوضأ وتصلي الظهر، وجدت سمية تلعب بأقلام التلوين منذ تركتها صباحا، يبدو انها تعلقت بها بشدة، اقتربت منها ونظرت ماذا ترسم، أخفت سمية بسرعة ما ترسمه بيديها الصغيرتين وحاولت طوي الورقة، اقتربت مي أكثر وأسرعت بخطف الورقة من ابنتها ونظرت ماذا تحاول أن تخفي، كان شكها في محله، لقد كانت لوحة فيها رجل وامرأة وبينهما طفلة صغيرة يمشون سويا في حديقة كبيرة، وملامح السعادة الجمة تبدو في وجوههم التي تعبر عنها رؤوسهم الكبيرة، لم تكن سمية تجيد الرسم ولكن ما رسمت كان يكفي بشدة ليعبر عما في داخلها، نظرت مي لابنتها نظرة حانية جدا ولم تلبث أن انفجرت الأخيرة في البكاء، اقتربت منها مي واحتضنتها بقوة وقالت لا تقلقي يا صغيرتي، سيعود يوما ما، كل شيء سيكون على ما يرام، حاولت أن تصدق نفسها ولكنها لم تستطع، وسمحت لدموعها أن تنهمر هي الأخرى في صمت خرجت هند من باب الشقة وأقفلته ورائها جيدا، كانت مشغولة البال وهي ذاهبة للمرسم، لا تدري لم تذهب وهو غير موجود، لم تعتد أن تكون هناك وحدها، كانت تستمد منه الابداع والقوة، ولطالما كانت تتباهى أمام زميلاتها بما أنجزته معه من لوحات وأعمال فنية، يكفيها أن يكتب اسمها تحت اسمه في كثير من اللوحات التي شاركته فيها، كانت تعتقد دوما أنه يجاملها بذلك، فلا يمكن أن يكون لخطوطها ذلك التأثير الواضح على مبدع مثله، لكنه دوما كان يقول لها ستصبحين أعظم رسامة عرفتها، فقط أكملي تدريبك ولا تملي قط، كان دوما مصدر تشجيع غريب لها لم تجده حتى من والدها الذي لم يصدق أن ما تقوم به ليس مجرد لعب بأقلام التلوين كما يحلو له أن يصفه، تعرف أنه يحنو عليها ولا يقصد التقليل منها، لكن ظروف الحياة أقوى من تحمله ويريد أن يرى ثمار تربيته لها وانفاقه عليها طوال تلك السنين أسرعت أم محمود بفتح الباب، كانت تكره أن يطرق رمزي الباب بذلك العنف في كل مرة، لكنها لا تقوى أن تنهره، كان أحب أصدقاء محمود لقلبه، واعتادت ان تتركه يفعل ما يشاء، كان صاحب الامتياز الوحيد في حياة تلك الأسرة الصغيرة كيف حالك يا حاجة؟ بخير يا ولدي، تفضل، ثوان قليلة وسأوقظ محمودا من نومه كي نتناول العشاء سوية، أجابها باندهاش شديد: هل ما زال نائما منذ أن اتصلت بك في الصباح وأخبرتني أنه نائم؟ ياللهول، كيف يستطيع شخص أن ينام كل تلك الفترة، انها أكثر من اثنا عشر ساعة متواصلة، قفز رمزي بسرعة ليوقظ محمود، طرق على باب الغرفة بازعاج كعادته، فاجأه صوت محمود من الداخل يقول له كف عن ازعاجي يا رمزي، سأصلي وأخرج لك، تناول العشاء مع والدتي وانتظرني على المقهى تحت البيت لم يستطع رمزي سوى أن يطيعه كالعادة، يعتقد أنه صاحب شخصية قوية جدا لكنه دوما ضعيف أمام شخصين، زوجته ومحمود، نظرت أم محمود له بتهكم وقالت ما كان أغناك عن هذا، نظر لها بابتسامة واسعة وقال: لولا أنه محمود، لكان لي معه شأن آخر، أين الطعام يا أم محمود؟
الخميس، ٢٦ يوليو، ٢٠٠٧
الأحد، ٢٢ يوليو، ٢٠٠٧
الغريب 6
الخميس، ١٩ يوليو، ٢٠٠٧
الغريب 5
الأحد، ١٥ يوليو، ٢٠٠٧
الغريب 4
نامت الطفلة على كتفه من جديد، وعاد هو أيضـا لـيطلق لخـياله العـنان...ترى ما سر تعلق الطفلة به، أحب هذا الأمر كثيرا ولكنه يكره أن تأخذه الأحلام الوردية لمناطق عالية، يكون السقوط منها قاتلا، انتفض لمجرد تخيل الفكرة، أحست بانتفاضته سمية، وبدأت تستيقظ من نومها على كتفه، طبعا لم تغفل مي تلك الحركة منه لكنها آثرت ألا تعلق الآن شرد مدة طويلة في أحلامه، علي أن أحادثها الآن أو أنسى الموضوع الى الأبد، هكذا قال في نفسه، أزعجه تردده الدائم في اتخاذ ذلك القرار، أشاح بوجهه بعيدا كي ينسى الموضوع برمته لكنه لم يستطع، لازالت أنفاس الطفلة الحارة تلفح وجهه ورقبته، رائحتها جميلة تلك الطفلة وتدل على عناية جيدة من والدتها بها التفت حوله في حركة لا ارادية في نفس اللحظة التي التفتت مي له فيها، يا لها من مصادفة عجيبة، والأغرب فيها أنهما نظرا لبعضيهما في نفس اللحظة، شعرا بخجل شديد، لأول مرة منذ أن ركبا تلك الطائرة سويا ينظر لها في عينيها مباشرة، ما أجمل تلك العينان العسليتان، هي أيضا اندهشت لجمال عينيه السوداوان رغم أن وسامته طبيعية جدا وليس فيها ما زاد عن الحد، نظرا لبعضهما مباشرة ودار حوار طويل جدا بين العيون على الرغم أنه لم يستغرق أكثر من عشر ثوان، لكنها كانت كافية ليتم ذلك الحوار الطويل، كان لسان حالهما يقول في نفس واحد: "أتفكر فيما أفكر فيه؟"، تبادلا ابتسامة قصيرة ونظر كل منهما في اتجاه وكأنه يهرب من نظرات الطرف الآخر، لم يدر ماذا يقول أو كيف يتصرف، لكنه بالتأكيد أصبح لحياته منحى مختلف تماما بعد تلك اللحظة، لم يعد كيانه كما كان وأصبح عليه أن يتخذ القرار أدركت هي حقيقة مشاعرها، لم تتخيل أنها سوف تقابل من يقلب كيانها بهذا الشكل وبهذه السرعة، لا تدري ماذا تفعل الآن، هي أيضا عليها اتخاذ القرار، وجدت نفسها تفكر فيه، لماذا أحبته وهي لا تعلم حتى من هو، بل هي لا تعلم ان كان متزوجا أم لا؟ التفتت بطرف عينيها بسرعة لتنظر في يده اليسرى، لم تجد ما يدل على أنه متزوج، عادت لتهيم في السحاب الخلاب عبر النافذة المجاورة وهي تحدث نفسها في سعادة، لماذا أشعر بهذا الآن، هل هو محض خيال؟ أم هو ابتلاء جديد؟ هل هي جاهزة لتخوض تلك التجربة مرة أخرى، ألم يكفها ما حدث من قبل، تكره التفكير في هذا الموضوع، غلبها ارهاقها وأرقها الشديد وآثرت أن تريح رأسها على جانب الطائرة وأن تستسلم لسلطان النوم علها تنسى، لم تنس أن تلق تنظرة خاطفة على طفلتها فقط للتأكد من شيء ما في قلبها، ثم عادت لتبدأ رحلة نومها وعلى وجهها ابتسامة تكبر رويدا رويدا غلبه النعاس هو أيضا وهو يفكر كثيرا، لم يرد أن يترك الطفلة من على كتفه، أحس بأمان شديد في احتضانه تلك الطفلة، وكأنما كان كل منهما بحاجة لأحضان الآخر، ترك نفسه ليستسلم لنومه حيث يحاول أن يهرب من ورطة اتخاذ ذلك القرار الحاسم، يعلم أنه لم يعد يفصل بينه وبين فراقها سوى ساعتين يصلون بعدها لمطار القاهرة واما أن يكون جريئا ويفاتحها في الأمر، راودته تلك الفكرة المجنونة في أن يفاتحها في الأمر في نفس اللحظة، لكنه تراجع لسبب ما لا يعرفه، غط في نوم عميق قبل أن يحاول ادراك السبب سيدي، سيدتي، لقد وصلنا مطار القاهرة الدولي، من فضلكما استيقظا واستعدا للنزول، أفاقا في فزع على صوت المضيفة تخبرهما بوصول الطائرة وبوجوب نزولهما، ياالله، أناما بهذا العمق؟ وجد الطفلة مستيقظة تنظر له بتمعن وقلق، لا يدري لم أحس أن الطفلة لا تريد أن تفارقه، وكأنما أدركت أنه بنزولهما من الطائرة لن تراه مرة أخرى، قام من مكانه وهو يقاوم رغبة عارمة في البكاء لينزل حقائب يدهما لكن الطفلة قفزت وأمسكت به بتأثر واضح، حملها برفق وأوهمها أنها تساعده في انزال الحقيبة من مكانها، قامت مي من كرسيها بدورها وبدأت في السير خلفه لكي ينزلا من الطائرة، لا تدري هي الأخرى لم ترقرقت الدموع في عينيها، أرادت أن تجهش في بكاء هستيري لكن قلبها وحده تمكن من ذلك، رسمت تلك الابتسامة المصطنعة وهي تحيي طاقم المضيفين على باب الطائرة، أوجعت الشمس عينيها في باديء الأمر لكنها لم تلبث أن اعتادت عليها عند الخروج من الطائرة، لقد كانت رحلة طويلة حقا، كم أحبت أرض مصر بشدة وتمنت العودة لها، هاهو حلمها يتحقق لكن حلما آخر لها يموت قبل أن يولد.
الجمعة، ١٣ يوليو، ٢٠٠٧
الغريب 3
الإثنين، ٩ يوليو، ٢٠٠٧
الغريب 2
بسم الله الرحمن الرحيم الغريب شرد بذهنه كثيرا في تلك المناظر الخلابة حوله - يا الله - ما أجمل شروق الشمس حين تشهده وأنت أقرب للشمس من كل الناس - يكون ظلام دامس لا يرى منه شيئا - ثم نور جميل مضيئ يتسلل خفيه فلا تشعر به وأنت شارد في الملكوت - وفجأة ترى الشمس أشرقت - ويتلون السحاب الأسود البهيم بزرقة محببة أو بياض ناصع - بدأت الذكريات هي الأخرى تتسلل له من جديد - ترى........ قاطعه صوت المضيفة تتمتم بلغة انجليزية مقطعة تشوبها لكنة فرنسية شديدة: ماذا تريد أن تشرب يا سيدي؟انتبه الان فقط انها تقف الى جانبه - تمسك ابريقا كبيرا في يد وتنظر اليه في صبر واضح - لا شيئ شكرا لك - أجابها وهو يعود بنظره للنافذه بجانبه - أحب دوما الجلوس بجوار النافذة واستحضار ذكرياته الجميلة في كل البلدان التي زارها - يااااااااه يالها من أيام جميلة بدأت الذكريات تنهمر عليه كالمطر من جديد - تمنى لو تطول ساعات السفر تلك لكي ينغمس في ذكرياته أكثر وأكثر بصوت فرنسي جميل - و بنفس اللكنة الظريفة أعلن المضيف عن الوصول لمطار شارل ديجول الجوي في باريس - درجة الحرارة بالسيليزي والجو معتدل في الخارج يميل للحرارة - برجاء الاطلاع على تذكرتك و خطة مرورك وانتقالك من بوابة لاخرىطالما كره ذلك المطار منذ شرعو في تجديده وبدأو أعمال البناء تلك - لازال يفضل المطارات الصغيرة الجميلة باق من الزمن أربع ساعات ونصف على اقلاع الطائـــــرة الايربـــــــاص رحلة اف 38 المتجهة من باريس للقاهرة - هكذا أعلنت الساعة الرقمية الكبيرة أمامه عن الوقت المتبقي له - يجب عليه أن ينتظر الان 5 ساعات كاملة - يكره الانتظار لكن جمال صالة السفر من حوله هون عليه الأمر قليلا - وضع حقيبة كتفه الكبيرة على ذلك الكرسي بجانبه و جلس - أخرج زجاجة الماء التي حملها معه من الطائرة - ارتشف منها قليلا وبدأ في اخراج كتاب ظريف كان يحمله معه - بدأ في القراءة ببطء شديد - يريد أن يستمر ذلك الكتاب السميك معه أطول فترة ممكنة قبل أن تشتاق نفسه للقهوة من جديد - انها كادمان جميل لا يستطيع الخلاص منه -------------- عدل هندامه و بدأ في تصفح الكتاب - بدأ في تقليب الصفحات الى أن يصل الى حيث توقف - دائما ما كره أن يثني طرف صفحة الكتاب أو أن يضع ورقة فيه تذكره أين توقف - كان يردد أنه سوف يتوقف عن القراءة متى نسي أخر كلمة قرأها وأين وصل، كتاب ممتع حقا - هكذا ردد في نفسه - كان الكتاب من النوع السميك صاحب الغلاف الغليظ - اعتقد أنه لن يستطيع اكمال الكتاب في تلك الرحلة لكنه وجد نفسه يلتهم الصفحات بسرعة شديدة - أعجبه تسلسل الأحداث وجمال أسلوب الكاتب و انهمك في القراءة كان المطار هادئا في تلك اللحظات - أو بالاحرى كانت صالة المغادرة التي يجلس فيها خالية من الناس الا من تلك الطفلة الصغيرة وتلك السيدة ذات الشعر الطويل - يسهم بنظره ليلتقط أنفاسه بين الحين والأخر ويطمئن أن حوله من الناس ما يكفي لأن يقتل ما يشعر من الوحدة - لم يتبين ملامحها من بعيد أو لم يهتم - لفتت الطفلة نظره قليلا - لطالما أحب الأطفال ووجد سعادته معهم - لكنه طأطأ رأسه من جديد - لم يشعر بأنه في مزاج مناسب لكي يداعبها كعادته مع الأطفال دوما - وعاد لحواره الهادئ مع ذلك الكاتب بين يديه لم يدر كم من الوقت مر عليه لكنه مل القراءة وفضل أن يترك من الكتاب بقية لبقية الرحلة - خبأ الكتاب بعناية في حقيبته كأنه يخبئ كنزا و حمل الحقيبة الضخمة على كتفه - أحس بارهاق سنوات طويلة في تلك الرفعة لكنه تجاهل ذلك الاحساس عامدا - لا يحب أن يتذكر ضعفه البشري - اتجه بخطوات حائرة ليتجول حوله في صالة المطار - قد يجد ما يسليه - هاهي بعض المقاهي الصغيرة - وبعض المطاعم النظيفة - يعشق الفرنسيون النظافة فعلا ولهم ذوق جميل في تزيين الأشياء - اتجه بهدوء نحو تلك الآلة الضخمة وأخرج قطعة النقود المعدنية تلك - لازال يحتفظ بها لأجل هذه اللحظة تماما - وضعها في الآلة و اختار المشروب الذي أراد - كانت قهوة جميلة لم يذق مثلها من قبل - بحث عن ما يمكن أن يفسر له مم صنعت تلك القهوة لكنه لم يجد شيئا مكتوبا او مقروئا على جانب الآلة - فقط وجد ذلك الرقم المعدني المثبت على نفس الجانب - هم أن يتصل به لكنه تذكر أن هاتفه معد للاستقبال فقط - تناسى الفكرة برمتها و اتجه عائدا نحو كرسيه المفضل بجوار تلك النوافذ الزجاجية الضخمة والتي تظهر الطائرات الكبيرة من خلالها لمح تلك السيدة من جديد في طريقه الى كرسيه - كانت تجلس على أول كرسي على يمينه - اعتقد أنه يمكن أن يتجاهلها لكن الفضول العارم داخله كان أقوى - اقترب منها ببطء وهو يرتشف من القهوة الذيذة - ركز عيناه على الطفلة الجميلة وبدأ في مداعبتها بيده - خافت منه الطفلة قليلا لكنها بدأت في التجاوب معه بسرعة - لا يدري لم اطمأنت له بسرعة عادة يكون الأطفال أكثر جبنا مع الغرباء - لكن تلك الطفلة بدت أكثر جرأة واقداما وهي تلعب معه - جلس على بعد كرسيين من تلك السيدة التي بدأت تلاحقه بنظراتها - تستغرب بالطبع من لعبه مع طفلتها لكن وجهها الملائكي الذي أصبح واضحا لأول مرة حمل ابتسامة رضا - ظلت تنظر لهما قليلا وهو يحمل الطفلة ويقبلها ويخرج لها قطعة الزبدة المحلاة التي لم يأكلها في الطائرة - صرفت نظرها عنهم وعادت للكتاب الذي كانت تقرؤه - لا يعلم لم اطمأنت له فعادة أيضا ما يطلب الناس من أطفالهم عدم ازعاج الغرباء -ولطالما اعتقد انها وسيلة مهذبة تحمل نفس الطلب من الغرباء بلطف ألا يزعجوهم - لم يخف سعادته وابتسامته بأنها سمحت له بأن يلهو مع طفلتها - كأنما كانت الطفلة في احتياج شديد الى غريب يسليها فقد تعلقت به بشدة بعد بضع دقائق فقط مر من الوقت بضع ساعة أو أقل - كانت الطفلة مرهقة بشدة لدرجة أنها نامت على كتفه - أخرج تلك الوسادة الصغيرة التي كان يحملها معه ووضعها على كتفه بهدوء - لم يرد أن يوقظ الطفلة من سباتها العميق - كان دوما ما يتعجب من حب الاطفال له وكيف أنهم يجدون لذة في النوم على كتفه بارز العظام - لاحظ أن السيدة كانت تنظر له بين الحين والاخر نظرات اطمئنان ليس الا - أحس بنفس كم الفضول الذي يحمله في نظراتها له - لكنه لم يجد الجرأة ليقترب منها ويحادثها - فضل التركيز في راحة ذلك الملاك الصغير النائم على كتفه بلغة فرنسية شرقية واضحة خرج صوت النداء الداخلي لصالة المغادرة في مطار شارل ديجول يعلن قيام الرحلة رقم 28 المتجهة الى القاهرة - التقطت اذناه ذلك النداء وانتظر حتى يتأكد مما سمع باللغة الانجليزية - كانت الطفلة لازالت نائمة على كتفه بينما عيناه تجول في المطار تراقب الأشياء وقلبه يفكر - وبين الحين والاخر يختلس بعض النظرات لتلك المرأة والدة الطفلة دعني أساعدك في حملها - هكذا عرض خدماته على نفس المرأة - ياللقدر العجيب الذي وضعهما في مقعدين متجاورين في نفس الطائرة وبينهما الطفلة - ابتسم في أعماقه فقد تمنى هذا نوعا ما - كانت حقيبة المرأة كبيرة عليها فساعدها في حملها لوضعها في صندوق الحقائب العلوي - ثم أشار لها بالجلوس فاختارت أن تجلس بجوار النافذة رغم أن ذلك المقعد مخصص له طبقا لترقيم التذاكر - لكنه آثر أن يدعها تختار ثم جلست طفلتها وجلس هو بجوار الممر مر من الوقت ساعة كاملة لم ينبس فيها أحدهما بشفة - كانت هي صامته تقرأ في كتابها أحيانا وتتابع ذلك الفيلم المسلي أحيانا أخرى - بينما كانت الطفلة تغط في سبات عميق - لا يدري كيف ولماذا سكت طوال تلك الفترة - لكنه أحس برغبة عارمة في الكلام معها وراهن نفسه أنها تبادله نفس الشعور - ولم لا وهي تطارده بنفس النظرات كسر صمتهما صوت المضيفة وهي تعرض عليهما قائمة الطعام لكي يختارا منها ما يشائان - اختار كل منهما طبقا مختلف وحرصت هي أن تختار بعده شيئا مختلفا عنه - لم ترد أن تماثله في كل شيئ - فبادرتها المضيفة بالسؤال: وابنتكما؟ ماذا تريد؟ صعقهما السؤال - اعتقدت المضيفة أنهما زوجان وأن تلك الطفلة لهما - ارتبكا للحظة ثم بادر هو باخبار المضيفة ماذا يفضل للطفلة - حيتّهما المضيفة بأدب وانصرفت لتسأل الزبون التالي ماذا يريد - نظرت اليه المرأة بنظرة حادة وسألته بنوع من الشدة: ما دعاك أن تختار لها ما اخترت؟ أجابها: لا أدري - فقط كنت معتادا على ذلك - كان لدي طفل صغير في مثل سنها تقريبا وكان دوما يحب تلك الوجبة فكنت أحضرها له دائما - شكرته بأدب ونظرت عبر النافذة الى قمم الجبال الظاهرة من تحتها - تبسمت ابتسامة خفيفة - لقد كان زوجها يفضل تلك الوجبة أيضا - مصادفة عجيبة بحق تنبهت أنها لم تسأله عن طفله - أحنقها نوعا ما أن يكون لديه طفل - سألته بنوع من الفضول: اعذرني في تطفلي - هل أنت متزوج؟ أحست بالاحراج الشديد بعد السؤال فتداركت: اعذرني على تطفلي ولا تجب السؤال - أجابها بهدوء: لا ليست مشكلة أنا كنت متزوجا من قبل ولكنني فقدتها في ذلك الحادث منذ سنتين وطفلي أيضا أحست بنبرة حزن شديدة في صوته ورأته ينظر بحنان بالغ نحو طفلتها التي بدأت تستيقظ من نومها وأدركت سر تعلق الطفلة به - لقد انجذبت تلقائيا لحنانه هذا منذ أن رأته - يميز الأطفال من يحنو عليهم بسهولة - بادرته بقولها: آسفة لسماع هذا - عوضك الله خيرا عنهما أجابها: لا تتأسفي - انه خطئي على أية حال أرادت أن تسأله المزيد من التوضيح ولكنها اكتفت بهز رأسها متصنعة للفهم وأشاحت بوجهها نحو النافذة كي تخفي تلك الدموع التي بدأت تنهمر من عينيها - لا تدري لماذا تبكي؟ أتبكي زوجها الذي أصابه المرض اللعين حتى الموت؟ أم تبكي حال ذلك الرجل ووحدته؟أم تبكي من وحدتها وكثرة ترحالها؟ كانت دوما تؤمن أن نهاية الشقاء في الدنيا هي الموت وأن من يعذب حقا هم الأحياء سألها بنفس الهدوء: اسمي محمود - رسام متنقل - وأنت؟ التفتت اليه بدهشة - لم تتوقع أن يبادلها الحديث - تصورت للحظة أنها تتخيل لكنه نظر اليها بتركيز منتظرا اجابة منها - تداركت نفسها وقالت: اسمي مي - أعمل في مجال التسويق - ومتنقلة أيضا - قالتها بابتسامة حقيقية حاولت أن تكسر بها الجليد المحيط بحوارهما - ابتسم هو بهدوء وقال: تشرفت بمعرفتك - ووجه كلامه للطفلة سائلا: وأنت يا صغيرتي ما اسمك؟ لم تجبه الطفلة ولم تعره انتباها من الأساس -أجابته أمها بالقول: اسمها سمية حينها أدرك الحقيقة المرة - لقد كانت الطفلة صماء لا تسمع - قبل أن يبدأ عقله في تساؤلات طويلة بادرته مي بقولها: نعم انها لا تسمع - فقدت السمع اثر صدمة عصبية كبيرة يوم أن توفي والدها أمامها - يقول الأطباء أنها قد تسمع يوما ما وتتكلم لكن ذلك يحتاج لمعجزة حقيقية فرت دمعة من عينه لكنه مسحها بسرعة متظاهرا بأن شيئا ما دخل في عينه وأرقه - نظرت له الطفلة ببراءة شديدة وهي تبتسم له ورفعت ذراعيها له ترجوه ان يحملها مرة أخرى - لم يشأ أن يرفض طلبها رغم ضيق المساحة بين المقاعد - حملها واجلسها على رجله - وبدأ في مداعبتها - أحضرت له المضيفة بعضا من أقلام التلوين وأدوات الرسم بناء على طلبه - بدأ في تعليم الطفلة كيف ترسم قليلا من الأشياء السهلة - ازداد تعلق الطفلة به وتعلقه بها أكثر وأكثر مر قليل من الوقت قبل أن يحضر الطعام - بدأ في اطعام الطفلة بنفسه - اندهشت أمها من كمية الحنان البالغ الظاهر في معاملته لها - كانت في قمة السعادة ولكن لا تعرف لماذا - أيعقل أن يكون الحب؟ أم لأن طفلتها سعيدة؟ غرقت في ذلك البحر من الأفكار حتى أفاقت على صوت المضيفة مرة أخرى يسألها اذا انتهت من طعامها أم لازال أمامها بعض الوقت؟ نظرت لتجد أنها بالكاد تذوقت الطعام فأشارت للمضيفة أن تحمله وتحفظه لها في حال شعرت بالجوع مرة أخرى بدأت في تجاذب أطراف الحديث مع محمود - سألته عن نفسه فأجابها بكونه يعمل رساما حرا متنقلا ويسافر كثيرا خارج مصر ليعرض لوحاته في أوروبا وأمريكا وغيرها من الدول - بالاضافة لامتلاكه لشركه خاصة يديرها بنفسه لتصميم اللوحات الاعلانية وأعمال الوسائط المرئية بشكل احترافي - أعجبتها موهبته الواضحة في الرسم قبل أن يترك طفلتها تلهو بحرية في تلك الرسومات الملونة وجاء دوره لكي يسألها عن نفسها - أجابته بأنها أرملة حديثا - لا تعمل - توفي زوجها الفرنسي من 6 شهور فقط وكان صاحب متجر مشهور في باريس و بعد وفاته اجتمع الورثة وأجبروها على التنازل عن كل شيئ تركه لها مقابل مبلغ جيد من المال فرضيت بعرضهم وقررت العودة لمصر لكي تعيش حياة جديدة تتفرغ فيها لعلاج طفلتها عل تغيير الوجوه والمناخ يساعدها على الشفاء - تأسف لها لو كان سؤاله ضايقها فأجابته بالنفي - كان الأمر صعبا عليها في البداية لكنها بدأت تنسى ما حصل أو تحاول أن تتناسى على الأقل - هز رأسه متفهما فقد مر بنفس التجربة الأليمة والتي دفعته للسفر كثيرا عله ينسى أيضا
الجمعة، ٦ يوليو، ٢٠٠٧
شفت في الواشنطن دي سي
الأحد، ١ يوليو، ٢٠٠٧
بوست خفيف
دي الفرقة اللي جابتها الجامعة - صينيين برضو هاهاهاها بس الموسيقى حلوة بجد
أنيس صاحبي واحنا بنصوره من فوق وبيشاورلنا بالنصر هاهاها
أنا في النص - مايكل على شمالي - محمد الغول على يميني أما الواقفين من اليمين أحمد غانم - أنيس - دكتور نور - ماجد