لا تدري بم تشعر والطائرة تنزل في المطار، خالتي بجواري لم تر مصر منذ ثلاث سنوات، توفي والدها أي جدي قبل سنتين ولم تستطع ان تراه لظروف ما، تحب أن تنظر هي من شباك الطائرة، أصور أنا الطريق كاملا لحظة الاقلاع من واشنطن والهبوط في فرانكفورت ثم الاقلاع من تلك المدينة الجافة الى الهبوط في العاصمة السوداء - القاهرة
كنت في اخر كرسي في الطائرة - لست أدري لم اختارت موظفة الحجز ذلك المكان لي، كل ما أعرفه هو أننا جلسنا في ذلك الكرسي طوال تلك الرحلة الكئيبة في تلك الطائرة المقيتة، لم أحس براحة أبدا طوال الطريق حتى وصلنا الى مصر، أحسست براحة النهاية
نزلت الطائرة ونجحت في تصوير تلك الرحلة رغم التحذير من استعمال الاجهزة الالكترونية اثناء الاقلاع والهبوط، لم أبارح مكاني حتى نزل الجميع وكنت انا وخالتي اخر من نزلنا من الطائرة، نزلنا منها وأحسست بذلك اللاشعور، لم أدر لماذا لكنه كان لا شعورا مسيطرا جدا على نفسي وقلبي وأعصابي التي كانت خاوية جوفاء
تركت قلبي يقودني بنظرات خاوية جافة حيث ممر الهبوط والنزول لقاعات الوصول، تحيط بك طرقة طويلة قذرة، بمعنى الكلمة، بذلك السواد المحبب الدال على ان ممسحة ما تحمل القليل من سائل التنظيف قد مرت من ذلك الركن ولم تجد من يجففها ويمسحها فيما بعد، طرقة قذرة تجبرك أن تضحك من فرط المقارنة، يافطة كبيرة منزوع جزء كبير منها ايضا ترحب بك في مصر وتخبرك انه ممنوع التدخين
وجدت تلك المرأة خلفي تحمل ابنتها في عربة صغيرة ثم هول المفاجأة الظريفة وشر ما يضحك، تجد سلالم طويلة للنزول ولا يوجد منها جزء مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة او من يركب كرسيا متحركا او يجر كرسي أطفال كتلك المرأة، اكتفيت بعرض المساعدة على المرأة في حمل العربة لها والنزول بها لكنها رفضت بلطف حيث ساعدتها مضيفة الطيران على ذلك، ابتسمت في احراج شديد كعادتي عندما اكون مسئولا عن بلدي
نزلت تلك السلالم احمل في قلبي أملا في الغد، قابلني اعلان كبير يخبرني أن مصر ترحب بي، ضحكت غصبا عني، وجدت رجلين سمينين مضحكين جدا لو ضربتهما وانطلقا يجريان خلفي لانقطع نفسهما قبل أن يلحقاني ولن يلحقاني أبد الأبدين، يلبسان زيا أسودا قميئا حقيرا، يبدوان كارهين للدنيا ويدخن أحدهما سيجارة مصرية تحترق كخشب كرسي عجوز كالعادة، ينظران بلا مبالاة للرائح والقادم بنظرات غريبة لا تعرف هل هي حقد أم استهزاء ام احتقار، وددت لو احتقرني أحدهما، يجلسان بجوار تلك الحديدة الكبيرة المكتوب عليها قوات مش عارف ايه
مررت من تلك القاعة لكي أخرج لقاعة اخرى مليئة بالمنتفعين والمنافقين والموظفين وكل من لبس تلك البدلة المشهورة ينقصه بطيخة او كل من لبست تلك السلسلة الذهبية الكبيرة وينقصها لقب طانط، يقفون اما يتكلمون في الهاتف بشكل مقزز او يتوسطون في حمل جواز سفر شخص ما كعادتهم في زراعة نبات الكوسا وانتظار حصاده في اقل من دقائق معدودة، تنتهي تلك القاعة بذلك الممر الظريف لكي تمر من مكتب التدقيق في جوازات السفر، تجد يافطة غامضة تخبرك ان الاجانب من تلك الناحية، وهي تشير فعلا الى اللا مكان، ثم تجد نفسك منقادا مع الزحام لتقف في ذلك الطابور، تجد الأجنبي ومن تعلم من المصريين ان يقف عند خط الانتظار الاصفر منتظرا دوره في التقدم لموظف الجوازات، بالمناسبة هؤلاء الموظفون ظراف جدا، لا يبتسمون في وجهك أبدا وينظرون بنظرة خاوية بينما من يجلس بجوارهم ليتحرى من بياناتك ان كنت من المطلوبين ام لا يبتسم في وجهك ابتسامة بريئة
مررت من ذلك الشباك انا وخالتي وقابلنا ذلك الشرطي الظريف الذي يدلعونه بلقب عسكري، ليس هناك سوى مخرج واحد من كل تلك الممرات عن طريق ذلك الموظف، يعشق المصريون عموما التكرار، يجدونه شيئا مسليا جدا، وفرص عمل قديمة دائمة للجميع، يدقق ذلك العسكري في جواز سفرك جيدا ثم يتركني امضي انا وخالتي بدون ان ينظر في جواز سفرها، اعطني جوازا واحدا ومرر شخصين كعرض خاص لمهرجان الصياعة والتسول الذي يجري على ارض المحروصة بالصاد حاليا
ابتسمت في وجهه ابتسامة سائح أبله، أحسست فعلا أني كذلك رغم أني احمل ذلك الكتاب الأخضر الذي يتوسطه نسر أقرع
جررت تلك الحقيبة الضخمة وعدلت من وضع حقيبة ظهري وتلك الحقيبة الاخرى التي على كتفي، نظرت لخالتي وهي تمشي تجر رجليها ورائي وقلت لها حمدالله على السلامة
وصلت لتلك القاعة الاخرى الاكبر منها بقليل، وجدت الناس مصطفين بلا نظام سواء أجانب أم مصريين أم مخلصاتية وهم فئة لا جنس لهم، وكل ينتظر حقيبته من على سير الحقائب المهترئ، وجدت نفسي اكلم نفسي واقول هلم بنا نسترجع ايام الزحام، كانت اياما جميلة فعلا وافتقدها بشدة، تركت خالتي على جنب بجوار عربتي الحقائب الخاليتين ودخلت في موقعي المفضل الذي عرفته بالخبرة من كثرة السفر والترحال، بجوار الحائط تماما لكي تخرج الحقائب مباشرة في يدي أفنطها قبل أن تقع في يد غيري، انتظرت طويلا وتعجبت كثيرا كالعادة من شكل الأشياء التي يحملها البعض والتي قد تصل لبيت كامل أحيانا، كنت في انتظار الحقائب الأربعة، مر الوقت طويلا قبل أن أجد ثلاثة حقائب فقط، أما الرابعة فقد فقدتها، يبدو أنها لم تصل في الوقت المناسب، والمصيبة انها باسم خالتي، قلت يا صباح البهدلة
في طابور طويل وقفت خالتي تنتظر الناس أمامها كي ينتهوا من اجراءات البلاغ عن الحقيبة، وفي النهاية وعندما جاء دورها وقفت لتدلي بمواصفات الحقيبة المطلوبة ورقم هاتفي وجواز سفري كي أستلم الحقيبة نيابة عنها عندما تأتي في طائرة السابعة مساء، كأن شركة لوفتهانزا لم تتعلم بعد كيف تحمل حقائب جميع الركاب في طائرة واحدة، اختراع لم يصلهم بعد، اعتقد انه لم يصلهم بسبب ان الطائرة متجهة لمصر، صحراء سفنكس
معلومة غبية يصحبها جود لاك من شخص ما تطوع باخباري بها، تقول تلك المعلومة انهم سوف يرسلون الحقيبة لي السابعة مساء الى منزلي لو كنت امريكيا اما لو كنت مصريا يجب علي ان اعود في السابعة لكي احضرها بنفسي، ولم تقل المعلومة ماذا لو كنت هنديا؟ اعتقد انه ساعتها كان سيتوجب علي ان انتظر نهاية مباراة الهلال السوداني والاهلي المصري لكي اتقدم بطلب احاطة للملك القوللة عشان يجيب الشنطة
بعد طابور طويل وما يقرب الساعة منذ نزولنا من الطائرة توجهنا لموظف الجمارك لكي نخرج من المطار، كان شيئا مريعا جدا، منظر الناس وهم خارجون بلا طوابير ولا نظام لكي يمروا بذلك الموظف الذي يسألك بحنكة وخبرة من اين اتيت ومتى اخر مرة نزلت فيها مصرا وماذا تحمل معك ثم يختار حقيبة من حقائبك كي يفتشها، دوما حليقي الذقون سود الشفاه من كثرة الشاي والسجائر ويلبسون تلك البزة السوداء او الزرقاء الغامقة
يحمل الركاب كل ما يحملون، مرت خالتي بهدوء ويسر من ذلك الموظف واحنقني انني وقعت في يد موظف يرحم نصف رحمة، فتش حقيبة كاملة ولم يفتش الاخرى وتفضل يا بيه، طبعا كان حتما علي ان افرغ ما في جيبي من فكة نقود مصرية لذلك العامل الغلبان الذي قفل الشنطة وساعدني في حملها، وددت لو ادعو له بقلب صاف
خرجت خالتي وقابلها علي ابن خالتي الاخرى وذهبا سوية بينما كنت تحت رحمة ذلك المسجراتي، ثم خرجت انا لاجد زحاما الفته وافتقده منذ زمن طويل، ثم اجد حرارة جو تلفحني ورائحة العرق في كل مكان، اكاد اقسم ان المطار الجديد رائحته عرق دوما لكنه عرق السفر فهو محبب لا بأس به
قابلني احمد صديقي الذي لم اعلم انه سوف يأتي ولم اتوقع مجيئه بصراحة، لم نكن من المقربين يوما لكنه جاء بصحبة محمد، ذلك الاخ الذي مهما قلت لن اوفيه حقه، بكيت بشده في قلبي فقط لحظة رأيته، وددت لو اترك لدموعي العنان لكنني احسست براحة بين احضانه انستني الدموع، كان مريضا وأصر على احضار احمد كي يقلني من المطار لان سيارة والده هو لا تعمل، يترك في قلبي كثير الاثر دوما، واحبه في الله اكثر من نفسي ولا نزكي على الله أحدا
بين احضان كثيرة خرجت معهما، قابلت خالتي وخالتي الاخرى وعليا والسائق وركبنا جميعا بحقائبنا في منظر مهول في تلك الحافلة الطويلة المزدحمة، فكرة جيدة ان يخففوا زحام السيارات على صالة الوصول، ولكنها فكرة غبية الا يضعوا حدا لعدد الركاب الاقصى في تلك الحافلة، وقفت مع احمد ومحمد يسألانني عن بنات امريكا والمانيا بمرح واضح، لم اكن في وضع يسمح بالحديث في هذا الموضوع لكنني قلت لهم بالحرف: روح اتجوز ياض منك ليه راح محمد مفكرني بكلمتي المشهورة: سأقضيها علاقات غير شرعية اثمة خارج نطاق الزواج وانفجرت ضاحكا بشكل مقزز جعل كل ركاب الحافلة يقزون كالدودة